جرائم الشكوى بين النص والتطبيق | فى ظل احدث تعديلات قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937

جرائم الشكوى بين النص والتطبيق |  فى ظل احدث تعديلات قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937

جرائم الشكوى بين النص والتطبيق | فى ظل احدث تعديلات قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937

تُعد منظومة قانون العقوبات المصري أحد الأعمدة الرئيسية التي يستند إليها المجتمع في ضبط السلوك الإجرامي وتحقيق الردع العام والخاص. ومع التطور التشريعي المستمر وظهور مستجدات اجتماعية واقتصادية وما يرتبط بها من جرائم مثل النصب، خيانة الأمانة، شهادة الزور، والجرائم الأسرية، بات من الضروري إعادة قراءة النصوص القانونية المنظمة لهذه الجرائم، خاصة في ضوء احدث تعديلات قانون العقوبات وما تضمنته من آليات جديدة لحماية الحقوق وضبط إجراءات الشكوى الجنائية.

ومن بين الجرائم التي نظمها المشرع على نحو دقيق، تلك الجرائم التي لا تتحرك فيها الدعوى الجنائية إلا بناءً على شكوي من المجني عليه، كجرائم زنا الزوجة، زنا الزوج، الفعل الفاضح، جرائم السب والقذف، الامتناع عن تسليم الصغير، الامتناع عن دفع النفقة، والسرقة بين الأصول والفروع. ويأتي ذلك حرصًا من المشرع على مراعاة الطبيعة الخاصة لهذه الجرائم التي تمس الروابط الأسرية والاجتماعية والشرف والاعتبار.

وفي هذا المقال، نستعرض أبرز الجرائم التي تتطلب تقديم شكوى، ونحلّل كيفية تطبيق المواد العقابية المرتبطة بها ضمن قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 وذلك في ضوء أحدث التعديلات.

القسم الأول: جرائم زنا الزوجة بنص المادة 274 من قانون العقوبات

القسم الأول: جرائم زنا الزوجة – بنص المادة 274 من قانون العقوبات

تُعد جريمة زنا الزوجة من أبرز الجرائم التي نظمها قانون العقوبات المصري بشكل تفصيلي، وقد خصّص لها المشرع المادة 274 من قانون العقوبات لما لها من حساسية خاصة باعتبارها تمس شرف الأسرة واعتبار الزوج. وتنص المادة 274 من قانون العقوبات على أن: "تعاقب الزوجة الزانية بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين…” مع منح الزوج الحق في تقديم الشكوى لتحريك الدعوى الجنائية.

ويُفهم من النص أن هذه الجريمة من جرائم الشكوى التي لا تتحرك فيها الإجراءات الجنائية إلا بتقدم الزوج ببلاغ رسمي. ولا يجوز للنيابة العامة اتخاذ أي إجراء قبل تقديم الشكوى، وذلك حفاظًا على الأسرة وحماية للروابط الزوجية من الانهيار نتيجة التحقيقات العلنية.

ومن الخصائص الجوهرية لهذه الجريمة:

أولاً: الصفة الخاصة للمجني عليه

لا تُقبل الشكوى في جريمة زنا الزوجة إلا من الزوج وحده. فلا يقبل من أقاربه، ولا من ولي أمره، ولا حتى من النيابة العامة من تلقاء نفسها. كما لا تقبل الشكوى من الزوج إلا إذا كانت العلاقة الزوجية قائمة وقت ارتكاب الجريمة.

ثانيًا: شروط إثبات زنا الزوجة

إثبات جريمة الزنا من أصعب مراحل التقاضي، لأنها جريمة تقوم على الفعل المادي للعلاقة الجنسية الكاملة، وفقاً لاجتهاد محكمة النقض. ولهذا، سمح المشرّع بوسائل إثبات متعددة، منها:

  • ضبط الزوجة متلبسة،
  • اعترافها،
  • الرسائل والمحادثات إذا تضمنت دلائل قاطعة،
  • التقارير الفنية،
  • شهادات الشهود.

ويظل معيار المحكمة هو الاقتناع الوجداني المبني على أدلة قوية.

ثالثًا: أثر التنازل والصفح

يجيز المشرع للزوج التنازل عن الشكوى. فإذا تنازل، انقضت الدعوى الجنائية. ويُعد ذلك جزءًا من السياسة الجنائية الهادفة للحفاظ على كيان الأسرة.

رابعًا: أثر أخر في ضوء احدث تعديلات قانون العقوبات

التعديلات الأخيرة لم تمس جوهر المادة 274 من قانون العقوبات، لكنها طورت آليات التحقيق وشروط الدليل. كما عززت إجراءات حماية الحياة الخاصة، تجنبًا لتسريب معلومات تُسيء للزوجين.

خامسًا: ارتباط جريمة زنا الزوجة بجرائم أخرى

جريمة زنا الزوجة ترتبط بجرائم أخرى قد تُثار أثناء التحقيق مثل:

  • النصب (عند استغلال أحد الأطراف للوضع المالي للآخر)،
  • خيانة الأمانة (في حال استغلال ممتلكات الأسرة لتمويل علاقة غير مشروعة)،
  • شهادة الزور (حين يقدم أحد الأطراف أدلة كاذبة في المحكمة).

وهذا يبرز تعقيد هذا النوع من القضايا وارتباطها الوثيق بمفهوم الشكوى.

القسم الثاني: زنا الزوج بنص المادة 277 من قانون العقوبات

القسم الثاني: زنا الزوج بنص المادة 277 من قانون العقوبات

المادة 277 من قانون العقوبات المصري تُنظّم جريمة زنا الزوج، وتختلف جذريًا عن المادة 274 الخاصة بزنا الزوجة. وهذه الفوارق التشريعية محل نقد دائم، لأنها تعكس تمييزًا تاريخيًا بين الرجل والمرأة في المسائل الجنائية المرتبطة بالشرف.

حيث انه تنص المادة 277 من قانون العقوبات على أنه:
"لا يعاقب الزوج إلا إذا زنا في منزل الزوجية…"

وهذا يعني أن نطاق تجريم زنا الزوج أضيق بكثير من نطاق تجريم زنا الزوجة. إذ يشترط المشرع لقيام الجريمة:

أولاً: وقوع الزنا في منزل الزوجية

لا يُعتبر الزوج زانيًا قانونًا إلا إذا ارتكب الفعل داخل بيت الزوجية. ولو زنى خارجه، فلا جريمة.

وقد بررت المدرسة التقليدية هذا التمييز بضرورة حماية قدسية المنزل باعتباره رمز الأسرة. إلا أن احدث تعديلات قانون العقوبات واتجاهات الفقه الحديث تطالب بإعادة النظر في ذلك.

ثانيًا: تحريك الدعوى بناءً على شكوى من الزوجة

كما هو الحال في زنا الزوجة، لا تتحرك الدعوى في زنا الزوج إلا بشكوى من الزوجة. ولها أن تتنازل، فينقضي حق الدولة في العقاب.

ثالثًا: صعوبة إثبات الجريمة

إثبات زنا الزوج أصعب من إثبات زنا الزوجة بسبب شرط المكان. لأنه غالبًا لا يُضبط متلبسًا في منزل الزوجية، ما يجعل الأدلة غير كافية وحيث انه لابد من توافر ادلة قاطعة مثل:

  • تسجيلات كاميرات،
  • أدلة مادية،
  • شهادات،
  • رسائل نصية، وغيرها.

رابعًا: ارتباط جريمة زنا الزوج بجرائم أخرى

قد تُثار جرائم مثل:

  • خيانة الأمانة (عند استغلال أموال الزوجة لصالح علاقة محرمة)،
  • شهادة الزور (لتضليل المحكمة)،
  • النصب (عند وجود علاقات تستغل فيها أطراف خارجية الزوج ماليًا).

خامسًا: الرؤية المعاصرة للجريمة

تشير الاتجاهات الحديثة إلى ضرورة تحقيق مساواة بين الزوجين، إما بتخفيف عقوبة زنا الزوجة أو تشديد عقوبة زنا الزوج، أو صياغة نص جديد يساوي بينهما.

القسم الثالث: الفعل الفاضح مع امرأة في غير علانية بنص المادة 279 من قانون العقوبات

القسم الثالث: الفعل الفاضح مع امرأة في غير علانية بنص المادة 279 من قانون العقوبات

تُعد جريمة الفعل الفاضح مع امرأة في غير علانية من الجرائم ذات الطبيعة الخاصة في قانون العقوبات المصري، وقد نظّمها المشرّع في المادة 279 من قانون العقوبات. وتتميز هذه الجريمة بأنها تُرتكب في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، ولهذا أولى لها المشرّع اهتمامًا كبيرًا لحماية الآداب العامة وحرمة الجسد، وحماية المرأة تحديدًا من أي اعتداء يتجاوز حدود اللياقة أو الحياء، حتى لو لم يكن في مكان عام.

وتنص المادة 279 على تجريم كل من ارتكب مع امرأة فعلًا مُخلًا بالحياء في غير علانية، وهو نص واسع يسمح للمحكمة بسلطة تقديرية لتقييم السلوك وفقًا لظروف كل واقعة.

أولًا: طبيعة الجريمة والركن المادي

لكي تتحقق الجريمة يجب أن يقوم المتهم بارتكاب فعل مادي يمس جسد المرأة أو يخدش حياءها، سواء:

  • بالملامسة غير المشروعة،
  • أو الإشارة الجنسية،
  • أو محاولة التحرش الجسدي،
  • أو أي فعل يحمل معنى الإهانة أو التعدي على الحرمة الجسدية.

ولا يشترط أن يكون الفعل جنسيًا كاملًا كما هو الحال في جرائم الزنا، ومنها زنا الزوجة أو زنا الزوج. إنما يكفي أن يكون الفعل مخلًا بالحياء وفقًا للمعايير الاجتماعية والأخلاقية.

ثانيًا: شرط غير العلانية

تنفرد هذه الجريمة بكونها تُرتكب في غير علانية، بمعنى أن الفعل يقع في مكان:

  • مغلق،
  • أو خالٍ من الجمهور،
  • أو أمام عدد محدود جدًا من الأشخاص،
  • أو بين المتهم والمجني عليها فقط.

وهذا يختلف عن المادة 278 التي تجرم الفعل الفاضح علانية.

وقد حرص المشرع على تجريم الفعل غير العلني حماية للمرأة من الاستغلال في الأماكن الخاصة، كالمكاتب، المركبات، المنازل، المصاعد، أو أي مكان قد يختلي فيه الجاني بالمجني عليها.

ثالثًا: الركن المعنوي – القصد الجنائي

يجب أن يكون المتهم مدركًا:

  • لطبيعة فعله،
  • ولأن سلوكه مخل بالحياء،
  • وأنه موجَّه إلى امرأة بدون رضاها.

وفي حال عدم توافر القصد، مثل الحالات التي يكون فيها التلامس غير متعمد، فلا تقوم الجريمة.

رابعًا: موقف القانون من الشكوى

تعتبر جريمة الفعل الفاضح في غير علانية من جرائم الشكوى، حيث يشترط لتحريك الدعوى الجنائية تقديم شكوي من المجني عليها أو من يمثّلها قانونيًا.

وهذا الشرط جاء لحماية خصوصية المرأة ومنع تداول القضايا الحساسة بدون رغبتها، خاصة أن هذه الوقائع قد تمس سمعتها ومكانتها الاجتماعية.

ولا يجوز للنيابة العامة تحريك الدعوى إلا إذا:

  • تقدمت المجني عليها بشكوى مكتوبة،
  • أو بلّغت شفهيًا أمام الشرطة أو النيابة،
  • أو ثبت تعرضها للضغط أو التهديد لمنعها من الشكوى.

خامسًا: وسائل الإثبات

إثبات الجريمة بنص المادة 279 من قانون العقوبات في معظم الاحيان يكون صعبًا لأن الفعل المؤثم يرتكب في الخفاء، ولذلك يعتمد القضاء على عدة وسائل، منها:

  • شهادة المجني عليها،
  • شهادة الزور المحتملة من الطرف الآخر (ولذلك يُشدّد القانون على عقوبات شهادة الزور)،
  • تسجيلات الكاميرات (إن وُجدت)،
  • رسائل أو تسجيلات صوتية،
  • تقارير طبية،
  • شهادة الشهود إن صادف وجودهم.

وفي كثير من الحالات، يدّعي المتهم أن الاتهام كيدي أو نتيجة خلافات مثل قضايا:

  • خيانة الأمانة،
  • النصب،
  • أو نزاعات مالية أو أسرية.

وهنا تظهر خبرة المحكمة في تقدير الدليل.

سادسًا: علاقة الجريمة بالتعديلات الحديثة لقانون العقوبات

ضمن أحدث تعديلات قانون العقوبات، ازدادت الحماية القانونية للمرأة، وتم تعزيز العقوبات الخاصة بالاعتداءات الجنسية، وجرائم هتك العرض، وجرائم التحرش، مما أثّر بشكل غير مباشر على تفسير المادة 279.

فأصبح الاتجاه القضائي يتوسع في تعريف الفعل الفاضح ليشمل:

  • التحرش اللفظي،
  • التلامس المقصود،
  • الإشارات الجنسية،
  • الاستغلال المهني أو الوظيفي لمكانة الجاني.

سابعًا: العقوبات بنص المادة 279 من قانون العقوبات

العقوبة في المادة 279 من قانون العقوبات :

  • الحبس،
  • أو الغرامة،
  • أو كلتاهما.

وتُشدد العقوبة إذا:

  • كان المتهم يستغل سلطة وظيفية،
  • كان المجني عليها قاصرًا،
  • كان هناك تهديد أو عنف،
  • كان الفعل جزءًا من عملية أكبر مثل هتك العرض.

ثامنًا: تأثير الجريمة اجتماعيًا

هذه الجريمة قد تؤدي إلى:

  • اضطرابات نفسية للمجني عليها،
  • تدهور سمعة المتهم،
  • تفكك الثقة في المؤسسات أو أماكن العمل،
  • لجوء بعض الأطراف إلى السب والقذف أو تبادل الاتهامات أثناء النزاع.

ولذلك، فإن دور جهات التحقيق هو تحقيق التوازن بين:

  • حماية المرأة،
  • وعدم الإضرار بالمتهم دون دليل قوي.

القسم الرابع: جرائم السب والقذف بنصوص المواد 185 والمادة 303 والمادة 306 والمادة 307 والمادة 308 من قانون العقوبات

القسم الرابع: جرائم السب والقذف بنصوص المواد 185 والمادة 303 والمادة 306 والمادة 307 والمادة 308 من قانون العقوبات

تُعد جرائم السب والقذف من الجرائم شديدة الانتشار في المجتمع المصري، خاصة في ظل التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي. وقد تناول قانون العقوبات المصري هذه الجرائم عبر مجموعة من المواد، وهي المادة 185 والمادة 303 والمادة 306 والمادة 307 والمادة 308 من قانون العقوبات. وتتميز هذه الجرائم بأنها من جرائم الشكوى التي يشترط فيها تقديم شكوي من المجني عليه لتحريك الدعوى الجنائية، نظرًا لأنها تمس الاعتبار والشرف وهما حقوق شخصية لا يجوز للمجتمع أو للنيابة العامة المبادرة فيها دون رغبة المتضرر.

أولاً: تعريف القذف والسب

  • القذف وفق المادة 302 والمادة 303 هو: إسناد واقعة محددة تستوجب عقاب من تنسب إليه أو احتقاره.
  • السب وفق المادة 306 هو: كل تعبير يخدش الشرف أو الاعتبار دون أن يتضمن إسناد واقعة محددة.

وبذلك يكون القذف أشد خطورة لأنه يعتمد على واقعة محددة—مثل اتهام شخص بارتكاب النصب أو خيانة الأمانة أو شهادة الزور دون دليل أما السب فيشمل الإهانات العامة.

ثانيًا: المادة 185 من قانون العقوبات والتي تتعلق بإهانة الموظف العام

تنص هذه المادة على تجريم إهانة موظف عام أثناء تأدية وظيفته. ورغم أنها ليست من جرائم الشكوى التقليدية، لكنها مرتبطة بالجرائم القولية، وقد يتم تحريكها بشكوى من الجهة الحكومية أو الموظف نفسه.

ثالثًا: الأركان المادية والمعنوية للجريمة

لكي تقوم الجريمة بشكل صحيح يجب:

  • وجود ألفاظ أو عبارات مسيئة.
  • توجيهها لمجني عليه معين.
  • قصد الجاني الإهانة وعدم حسن النية.
  • أن تصل العبارات للمجني عليه أو للغير.

وتميز المحاكم بين النقد المباح والسب. فالنقد يجب أن يكون موضوعيًا، دون تجريح شخصي.

رابعًا: السب والقذف عبر الإنترنت

مع انتشار وسائل التواصل، أصبحت أغلب جرائم السب والقذف تتم عبر:

  • فيسبوك
  • واتساب
  • تيك توك
  • منصات الفيديو

وتُعتبر هذه الوسائل أماكن علنية، ويُعتد بالرسائل الإلكترونية كدليل.

خامسًا: العقوبات المقررة بنص المواد 303 و306 و307 و308 من قانون العقوبات 

تنص علي على:

  • الحبس
  • الغرامة
  • أحيانًا العقوبتين معًا

وقد شددت التعديلات الحديثة العقوبات في حالات:

  • القذف مع العلانية
  • القذف بسبب الوظيفة
  • القذف باستخدام تكنولوجيا المعلومات

وتشجع السياسة الجنائية على التسوية الودية بين الطرفين لحفظ الروابط الاجتماعية.

سادسًا: علاقة جرائم السب والقذف بجرائم أخرى

وفي كثير من الاحيان تقترن هذه الجرائم بجرائم أخرى أثناء التقاضي، مثل:

  • شهادة الزور من طرف الشهود
  • النصب عبر ادعاءات كاذبة
  • خيانة الأمانة عند التطاول على شريك تجاري
  • الامتناع عن تنفيذ التزامات مالية ثم تبادل الاتهامات بين الأطراف

ولذلك يحتاج القاضي إلى تحليل شامل للملف.

سابعًا: أهمية الشكوى

لا تتحرك الدعوى إلا بشكوى من المجني عليه خلال 3 أشهر من علمه بالجريمة. فإذا سقطت المدة، سقط حقه في تحريك الدعوى. وهذا يعزز الفلسفة التشريعية التي تجعل حماية الشرف قرارًا شخصيًا.

القسم الخامس: جرائم السرقات بين الأصول والفروع بنص المادة 312 من قانون العقوبات

القسم الخامس: جرائم السرقات بين الأصول والفروع بنص المادة 312 من قانون العقوبات

تتميز جريمة السرقة بين الأصول والفروع بخصوصية فريدة في قانون العقوبات المصري، 

حيث تنص المادة 312 من قانون العقوبات على أنه:
"لا تجوز محاكمة من يرتكب سرقة بين الأصول والفروع أو بين الأزواج إلا بناء على شكوى..."

وبذلك تُعد هذه الجريمة من جرائم الشكوى القائمة على حماية الروابط الأسرية. فالمشرّع لا يرغب في إثارة العداوة داخل العائلة، لذلك جعل تحريك الدعوى رهنًا بإرادة المضرور.

أولاً: فلسفة المشرّع من المادة 312 من قانون العقوبات

تهدف المادة إلى حماية الأسرة، إذ قد تحدث خلافات مالية عابرة بين:

  • الأب والابن
  • الأم وابنتها
  • الأزواج
  • الإخوة

وقد يستغل أحدهم ممتلكات الآخر دون قصد جنائي كامل. ولهذا، منح المشرع فرصة للتسوية الودية قبل تدخل القضاء.

ثانيًا: نطاق تطبيق المادة 312 من قانون العقوبات

تنطبق المادة على:

  • السرقة بين الأصول (الأب، الأم، الجد…)
  • السرقة بين الفروع (الأبناء، الأحفاد…)
  • السرقة بين الأزواج

لكنها لا تنطبق بين:

  • الإخوة
  • الأقارب من الدرجة الثانية
  • الشركاء
  • الجيران

ثالثًا: شروط تحريك الدعوى الجنائية بنص المادة 312 من قانون العقوبات

لا يجوز فتح محضر أو بدء التحقيق إلا إذا تقدم المجني عليه بشكوى. وإذا تنازل، تنقضي الدعوى فورًا.

رابعًا: العلاقة بجرائم النصب وخيانة الأمانة

كثير من القضايا الأسرية تبدأ ببلاغ سرقة، ثم تنقلب إلى:

  • نصب إذا كان أحد الأطراف قد استغل الآخر ماليًا
  • خيانة الأمانة إذا كان الشيء مسلّمًا بعقد
  • تهديد وابتزاز في حال استغلال معلومات شخصية
  • شهادة الزور عند استقدام شهود غير حقيقيين

وهذا ما يعقد إجراءات التحقيق، ويجعل قضايا الأسرة الأخطر في التطبيق.

خامسًا: سرقة الزوجة من زوجها بنص المادة 312 من قانون العقوبات

المرأة قد تأخذ مال الزوج لإنفاقه على شؤون المنزل أو على احتياجات الأطفال. وقد يعتبر الزوج ذلك سرقة. لكن المحاكم غالبًا تنظر إلى طبيعة العلاقة الأسرية، وتطلب دليلًا قويًا على القصد الجنائي.

القسم السادس: الامتناع عن تسليم الصغير إلى من له الحق في طلبه بنص المادة 284 من قانون العقوبات

القسم السادس: الامتناع عن تسليم الصغير إلى من له الحق في طلبه بنص المادة 284 من قانون العقوبات

تنظم المادة 284 عقوبات جريمة الامتناع عن تسليم الصغير أو المخطوف لمن له الحق في طلبه، وهي من جرائم الشكوى المرتبطة بالقضايا الأسرية.

أولاً: ماهية الجريمة

تتحقق الجريمة عندما يرفض أحد ألاطراف تسليم الطفل للطرف صاحب الحق، سواء بقرار:

  • محكمة الأسرة
  • حكم حضانة
  • حكم ضم
  • قرار نيابة الأسرة 

ثانيًا: أركان الجريمة

  • وجود حكم أو قرار قضائي أو حق قانوني ثابت.
  • علم الممتنع بالحكم.
  • امتناع إرادي وليس لسبب قهري.

ثالثًا: الطبيعة الإنسانية للجريمة

هذه الجريمة غالبًا ليست جنائية بقدر ما هي خلاف أسري. الأم قد تمتنع لأنها تخاف على طفلها. الأب قد يمتنع لاعتقاده بأن الحضانة ليست عادلة. ولهذا اعتبرها المشرّع جريمة تتطلب شكوي.

رابعًا: ارتباط الجريمة بجرائم أخرى

يحدث كثيرًا أن ترتبط هذه الجريمة بجرائم:

  • النصب (إخفاء الطفل للمساومة المالية)
  • خيانة الأمانة (إساءة استخدام حق الرؤية)
  • شهادة الزور (إحضار شهود لإثبات عدم وجود حكم)
  • السب والقذف بين الزوجين

القسم السابع: الامتناع عن دفع النفقة أو أجر الحضانة أو الرضاعة أو المسكن بنص المادة 293 من قانون العقوبات

المادة 293 من أهم المواد التي تتعلق بالأسرة، وتنظم جريمة الامتناع عن دفع النفقة أو أجر الحضانة أو الرضاعة أو المسكن. وهي جريمة تستلزم شكوي من الزوجة أو الحاضن حتى تتحرك الدعوى.

أولاً: شروط الجريمة

  • وجود حكم نهائي بالنفقة أو الأجر.
  • قدرة المتهم على الدفع.
  • امتناعه عمدًا لمدة معينة.

ثانيًا: عقوبة الجريمة

تنص المادة على الحبس أو الغرامة، وفي بعض الحالات قد يأمر القاضي بإعطاء المتهم فرصة للسداد قبل حبسه.

ثالثًا: العلاقة بالجرائم الأخرى

قد تظهر جرائم مثل:

  • خيانة الأمانة (الاستيلاء على أموال الأسرة)
  • شهادة الزور (إحضار شهود لنفي القدرة المالية)
  • السب والقذف خلال النزاع

تطبيقات محكمة النقض:-

تطبيقات محكمة النقض

أن المادة (312) من قانون العقوبات تضع قيداً على حق النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية بجعله متوقفاً على طلب المجني عليه، كما تضع حداً لتنفيذها الحكم النهائي على الجاني بتخويل المجني عليه وقف تنفيذ الحكم في أي وقت يشاء. وإذا كانت الغاية من كل من هذا الحد وذلك القيد الواردين في باب السرقة هي الحفاظ على الأواصر العائلية التي تربط بين المجني عليه والجاني، فلزم أن ينبسط أثراهما إلى جريمة التبديد لوقوعها كالسرقة إضرارا بمال من ورد ذكرهم بذلك النص.

(نقض جلسة 1974/6/16 س 25 ق 127 ص 596)
جريمة امتناع المحكوم عليه بنفقة عن الدفع رغم قدرته عليه لمدة ثلاثة أشهر بعد التنبيه عليه بذلك المنصوص عليها في المادة (293) عقوبات لا تجوز إقامة الدعوى الجنائية عنها إلا بعد استنفاد الإجراءات الواردة في المادة (347) من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية وفقاً للمادة الأولى من القانون رقم 92 لسنة 1937. تعلق هذا الشرط بصحة تحريك الدعوى الجنائية يوجب على المحكمة أن تعرض له من تلقاء نفسها، إغفال الحكم ذلك قولاً بأن للمدعية بالحقوق المدنية الخيار بين قضاء الأحوال الشخصية وبين القضاء الجنائي خطأ في تطبيق القانون.
(نقض جلسة 1973/12/3 س 24 ق 230 ص 1120)
جرى قضاء النقض على امتداد أثر القيد ـ الذي وضعته المادة (312) عقوبات ـ على حق النيابة في تحريك الدعوى إلى جريمة التبديد، لوقوعها كالسرقة إضرارا بمال من ورد ذكرهم بالنص.
(نقض جلسة 1983/5/22 س34 ق 133 ص 660)
تضع المادة (312) عقوبات قيداً على حق النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية بجعله متوقفاً على شكوى المجني عليه، وإذ كان هذا القيد الوارد في باب السرقة علته المحافظة على كيان الأسرة فإنه يكون من الواجب أن يمتد أثره إلى الجرائم التي تشترك مع السرقة فيما تقوم عليه من الحصول على المال بغير حق كجرائم النصب وخيانة الأمانة من غير إسراف في التوسع، فإذا كانت الزوجة الشاكية قد نسبت إلى زوجها المتهم تبديد منقولاتها وملابسها ثم تنازلت عند نظر الدعوى وقبل الفصل فيها نهائياً عن شكواها التي تتمثل في الدعوى التي رفعتها ضده بالطريق المباشر فإنه عملاً بنص المادة (312) سالفة الذكر يتعين أن يقضي ببراءته من التهمة.
(نقض جلسة 1958/11/10 س 34 ق 195 ص 972)
التقنين المدني يفرق في القرابة بين قرابة مباشرة وهي قرابة الأصول والفروع وفيها تقوم الصلة بين اثنين يتسلسل أحدهما من الآخر، كقرابة الأب وأب الأب وإن علا والابن وابن الابن وان نزل، وقرابة غير مباشرة وهي قرابة الحواشي وفيها لا يتسلسل أحد من الآخر وإن جمعهما أصل مشترك. لما كان ذلك وكان حكم المادة (312) عقوبات قد ورد استثناء من القواعد العامة فلا يجوز التوسع في تطبيقه أو تفسيره وينبغي قصره على أضيق نطاق، وساء بالنسبة إلى الجريمة التي خصها القانون بضرورة تقديم طلب لتحريك الدعوى الجنائية عنها أو بالنسبة إلى شخص المتهم. لما كان ذلك، وكانت قرابة الطاعن للمجني عليه(العم) لا تعتبر في حكم القانون قرابة أصل بفرع فإن ما خلص إليه الحكم المطعون فيه من عدم الاعتداد بالتنازل عن الشكوى ورفض الدفع بعدم جواز المحاكمة يتفق وصحيح القانون.
(نقض جلسة 1983/11/22 س 34 ق 195 ص 972)
جريمة الزنا الأصل فيها أن تكون وقتية لأن الركن المادي المكون لها هو الوطء فعل مؤقت، على أنها قد تكون متتابعة الأفعال كما إذا ارتبط الزوج بامرأة أجنبية يزني بها أو ارتبط أجنبي بالزوجة لغرض الزنا، وحينئذ تكون أفعال الزنا المتتابعة في رباط زمني ومتصل جريمة واحدة في نظر الشارع مادام قد انتظمتها وحدة المشروع الإجرامي ووحدة الجاني والحق المعتدي عليه. ولما كان القانون قد أجرى ميعاد السقوط ـ في التقدم بالشكوى ـ من تاريخ العلم بالجريمة فإن مدة الثلاثة أشهر تجري حتماً من يوم العلم بمبدأ العلاقة الآثمة لا من يوم انتهاء أعمال التتابع.
(نقض جلسة 1985/5/9 س 36 ق 112 ص 631)
لما كانت محكمة الموضوع قد استخلصت من عناصر الدعوى أن زنا الطاعنة لم يكن بعلم زوجها ورضاه، فلا يسقط حقه في طلب محاكمتها. وتقرير رضاء الزوج بزنا زوجته أو انتفائه أمر موكول إلى قاضي الموضوع.
(نقض جلسة 1985/5/9 س 36 ق 112 ص 631)
من المقرر أن علم المجني عليه بجريمة الزنا الذي يبدأ فيه سريان ميعاد السقوط يجب أن يكون عاماً يقينياً لا ظنياً ولا افتراضياً.
(نقض جلسة 1985/5/9 س 36 ق 112 ص 631)
إذا تبين أن دخول المنزل كان بقصد ارتكاب جريمة زنا لما تقع، فلا حاجة لشكوى الزوج كي ترفع الدعوى بمقتضى المادة (370) عقوبات، ذلك بأن القانون لم يشترط هذا القيد وهو شكوى الزوج إلا في حالة تمام جريمة الزنا.
(نقض جلسة 1978/12/31 س 29 ق 204 ص 986)
من المقرر أن جريمة دخول منزل بقصد ارتكاب جريمة فيه يتحقق ولو عينت الجريمة التي كان الدخول إلى المنزل بقصد ارتكابها، فإذا تبين أن دخول المنزل كان بقصد ارتكاب جريمة زنا لما تقع فلا حاجة لشكوى الزوج كي ترفع الدعوى ذلك أن القانون لم يشترط هذا القيد إلا في حالة تمام الزنا.
(نقض جلسة 1979/6/4 س 30 ق 134 ص 630)
الحكمة التي بغاها الشارع من غل يد النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية في جريمة الزنا ـ وهي الحفاظ على مصلحة العائلة وسمعتها ـ لا تقوم إذا ما وضح للمحكمة من عناصر الدعوى أن ارتكاب المنكر مع الزوجة كان بعلم زوجها ورضاه مما يسقط حقه في ما فرضه الشارع لحمياته وعائلته.
(نقض جلسة 1965/2/15 س 16 ق 28 ص 124)
إن المادتين (273، 277) من قانون العقوبات إذا قالتا عن المحاكمة في جريمة الزنا بأنها لا تكون إلا بناء على دعوى الزوج لم نقصد بكلمة دعوى إلا أكثر من مجرد شكوى الزوج أو طلبه رفع الدعوى.
(1941/5/19 مجموعة القواعد القانونية ج 5 ق 259 ص 471)
إن التبليغ عن جريمة الزنا إنما تكون من الزوج، أي أنه لا بد أن تكون الزوجية قائمة وقت التبليغ، فإذا كان الزوج قد بادر وطلق زوجته قبل التبليغ امتنع قطعا بمقتضى العبارة الأولى من المادة (235) عقوبات أن يبلغ عنها.
( 1933/3/6 مجموعة القواعد القانونية ج 3 ق 97 ص 148)
إذا كان المتهم قد دخل المسكن بقصد الزنا صح إثبات هذا القصد منه دائماً مادام لم ينفذ بالفعل، أما إذا كان قد نفذ ونمت جريمة الزنا فإن القانون لا يبيح للقاضي أن يتعرض لبحث هذه الجريمة ويخوض في عناصرها إلا عند قيام بلاغ من الزوج عنها.
( 1939/11/6 مجموعة القواعد القانونية ج 5 ق 6 ص 8)
إن جريمة دخول منزل المنصوص عليها في المادة (324) عقوبات من أركانها ثبوت القصد من البقاء في المنزل بعد دخوله، فإذا كان القصد قد تعين وهو الزنا فطلب الزوج الذي طلق زوجته معاقبة الشريك باعتباره مرتكبا جريمة المادة (324) عقوبات أو طلبت النيابة ذلك لابد من تناول مسألة الزنا بسبب التطليق، فمن غير المقبول أن تثار هذه الدعوى بطريقة أخرى في وجه الشريك وحده، بل أن الأجدى بالقانون وحكمة التشريع أن يقال أن عدم التجزئة الذي يقضي بعدم إمكان رفع دعوى الزنا على الشريك مادام رفعها على الزوجة قد استحال يستفيد الشريك من نتائجه اللازمة، فلا يعاقب حتى على جريمة الدخول في المنزل مادام أحد أركانها هو قصد الإجرام، ومادام الإجرام هنا متعين أنه الزنا.
( 1933/3/6 مجموعة القواعد القانونية ج 3 ق 97 ص 148)
محو جريمة الزوجة ـ بوصفها الفاعل الأصلي في جريمة الزنا ـ وزوال أثرها لسبب ما قبل صدور حكم بات يؤسس عليه محو جريمة الشريك.
(نقض جلسة 1980/11/13 س 31 ق 192 ص 995)
لما كانت جريمة الزنا ذات طبيعة خاصة لأنها تقتضى التفاعل بين شخصين يعد القانون أحدهما فاعلاً أصلياً وهى الزوجة ويعد الثاني شريكاً وهو الزاني، فإذا انمحت جريمة الزوجة فإن التلازم الذهني يقتضى محو جريمة الشريك أيضاً. وكانت هذه الجريمة قد انمحت في الدعوى لوقوع الوطء بغير اختيار من الزوجة. ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن بشأن إغفال الحكم توقيع عقوبة الزنا على المجني عليها وشركائها فيها ـ وهو من بينهم ـ يكون غير سديد في القانون.
(نقض جلسة 1982/2/8 س 33 ق 34 ص 173)
تنازل الزوج المجني عليه بالنسبة للزوجة في جريمة الزنا يوجب استفادة الشريك منه.
(نقض جلسة 1980/11/13 س 31 ق 192 ص 995)

تعد جرائم الشكوى في قانون العقوبات المصري تمثل توازنًا دقيقًا بين حماية المجتمع من الجريمة وبين احترام الروابط الأسرية والاجتماعية. فالجرائم المتعلقة بـ زنا الزوجة، زنا الزوج، السب والقذف، السرقات بين الأصول والفروع، الامتناع عن تسليم الصغير، الامتناع عن دفع النفقة تمس امور شديدة الحساسية والحقوق الشخصية، ولهذا جعل المشرع تحريكها مرهونًا بتقديم شكوي صريحة من المتضرر.

ويظهر من تحليل النصوص والتطبيق العملي، خاصة في ضوء أحدث تعديلات قانون العقوبات، أن المشرّع المصري يسعى إلى حماية الأسرة من التفكك، والحد من النزاعات التي قد تتفاقم بسبب تدخل القضاء دون ضرورة. كما يظهر بوضوح كيف يمكن أن تشترك جرائم أخرى مثل النصب، خيانة الأمانة، شهادة الزور في هذه النزاعات، ما يجعل القضاء الجنائي أحد أكثر المجالات تعقيدًا وتشابكًا.

وفي النهاية، يبقى الوعي القانوني هو الوسيلة الأهم لحماية الحقوق وتجنب التصرفات التي قد تؤدي إلى جرائم يعاقب عليها القانون. وعلى المتضررين دائمًا اللجوء إلى الإجراءات القانونية الصحيحة، وتقديم الشكوى في المواعيد المقررة، والاستعانة بخبراء القانون لضمان الوصول إلى النتائج العادلة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال